محمد بن المنور الميهني
48
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
ليلة . ولما تكرر هذا أخذتني عليه شفقة الأبوة وانتابتنى الهواجس المختلفة « فالصديق مولع بسوء الظن » ، وأخذت أقول لنفسي إنه شاب ولا يبعد وفقا لحكمة « الشباب شعبة من الجنون » أن يقطع عليه الطريق إنس أو جن . واستقر رأيي على أن أراقبه ليلة لأرى إلى أين يذهب وماذا يفعل . وذات ليلة عندما نهض وخرج قمت أنا أيضا وسرت في أثره ، وأخذت أتبعه حيثما ذهب وأنا أرقبه من بعيد بحيث لا يشعر بي . وجعل أبو سعيد يسير حتى الرباط القديم ، وهناك دخل وأغلق على نفسه الباب فصعدت على سطح الرباط فرأيته وقد دخل إلى المسجد الذي به وأغلق الباب ووضع خشبة خلفه . وأخذت أراقبه من طاقة المسجد ، وكان بالمسجد عمود من خشب ربط به حبل ، فأمسك العمود ، وكان في ركن المسجد بئر ، فسار إليها وربط الحبل في قدميه ووضع العمود على فوهة البئر وعلق نفسه بالحبل وتدلى في البئر ورأسه إلى أسفل ؛ وأخذ يقرأ القرآن وأنا أنصت إليه ، وكان قد ختمه في وقت السحر ، ثم سحب نفسه من البئر ووضع العمود مكانه وفتح الباب ( ص 34 ) وخرج ، وأخذ يتوضأ في وسط الرباط . فنزلت من سطح الرباط وعدت مسرعا إلى المنزل ونمت مطمئنا حتى جاء أبو سعيد ونام كما يفعل كل ليلة . وعندما حان الوقت الذي ننهض فيه كل ليلة قمت وأيقظته كالمعتاد وذهبنا مع الجماعة ، وجعلت أراقبه عدة ليال فكان يفعل هذا ، وظل يواظب على هذه الرياضة زمنا . وكان يأخذ المكنسة ويكنس المساجد ويساعد الضعفاء ، كما كان يذهب أكثر الليالي إلى تلك الشجرة القائمة على باب روضته المقدسة ويتعلق بغصن من أغصانها ويشتغل بالذكر ؛ وكان يغتسل في جميع الأوقات حتى في البرد القارس بالماء البارد ؛ ويقوم بخدمة الدراويش بنفسه .